دكتور عبد العزيز الدوري
100
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
تدرج في الصنعة وإلى مراحل تعليمها من « مبتدئ » إلى « صانع » إلى « أستاذ » أو « معلم » . وكانت المهن عادة وراثية ولكن الأفراد أحرار في اتباع المهنة التي يريدونها . وإذا كان بعض العامة سلك هذا السبيل السلمي ، فإنّ بعضهم انخرط في تكتلات ثورية تظهر لأول مرة في جماعات كبيرة خلال الحرب الأهلية بين الأمين والمأمون وهم العيارون والشطار . ويبدو أنهم في جملتهم من باعة الطرق ومن أهل السوق و « الرعاع » ، ظهروا للدفاع عن بغداد التي حاصرتها جيوش المأمون ، ولهم تنظيم خاص وزي خاص ، كما أن لهم نظراتهم الخاصة « 7 » . ومع أنّ ملامحهم تبدو أكثر وضوحا كلما تقدمنا ، إلا أنهم في هذه المرحلة يمثلون أدنى أهل المدينة من ناحية مادية ، إذا إنهم كانوا يعيشون على هامش المدينة محتقرين اجتماعيا وفي ضيق مادي أكده ارتفاع الأسعار التدريجي . ولذا نجدهم يسخطون على السلطة ويعادون التجار سادة الأسواق بعنف وإصرار . ومع أنهم بدأوا بمقاييس اجتماعية تخالف العرف أحيانا إلا أنهم سرعان ما أخذوا بمفاهيم الفتوة وطبعوها بطابع حركة اجتماعية . وعلى كل فإنّ تبلور هذه الحركة حصل بعد هذه الفترة . ولكن التطورات المذكورة لا تعني أنّ المفاهيم الاجتماعية للعصر الأموي قد زالت ، إذ لا تزال فكرة النسب مهمة اجتماعيا ، وبقي النسب العربي مهما في المجتمع ، واستمرّ التباين - بدرجة أقل - بين العرب وغيرهم . نعم تعاون أشراف الفرس مع العرب في هذه الفترة ، ولكن ذلك كان استمرارا لما كان في العصر الأموي مع فارق أساسي وهو المساواة في المجالات الإدارية والعسكرية . وأمّا العامة التي قدمت مادة الثورة العباسية فإنها بقيت على وضعها السابق . وهنا حصل تطور جديد . فإنّ الموالي اشتركوا في الثورات في العصر الأموي بقيادة العرب وبتشجيعهم ، من حركة المختار إلى ثورة ابن الأشعث ، إلى ثورة الحارث بن سريج المرجئ ، إلى الدعوة العباسية ، أي أنهم انضووا تحت ألوية عربية لأهداف دعا إليها العرب . وإن تحدثنا عن حركة الموالي آنئذ فإنها في الواقع تتركز في العراق مركز المقاومة ، حزبية وغيرها ، للأمويين وللشام . ثمّ تحولت حركة بعض الموالي في هذه الفترة إلى شعوبية وزندقة تتمركز في العراق أيضا وإن بدت في وجهات أخرى . وهي تعبير عن تحرك جماعة من غير العرب . فالزندقة لم تكن إلا نشاطا مركزا للمانوية أرادت تحت ستار إسلامي شفاف وبطريق التأويل وبالتشكيك بالقيم والعقيدة ، تهديم الكيان القائم والسلطان العربي
--> ( 7 ) عبد العزيز الدوري ، « نشوء الأصناف والحرف في الإسلام ، » مجلة كلية الآداب ( بغداد ) ، العدد 1 ( حزيران / يونيو 1959 ) .